الدفاع المشروع

0
85

متى يمكن للانتفاضات والحروب الشعبية أن تفرض ذاتها؟ يرتبط إعطاء الرد الصحيح على طرازات وظروف هذه العمليات الأساسية المستثمَرة والمستخدَمة على حساب الشعوب، بعبور أهم المنعطفات في تاريخ الشعوب بإحراز النجاح المظفر. لا يمكن للانتفاضات والحروب أن تجد معناها، إلا في حال عدم إثمار كافة أشكال العمليات الأخرى، ولدى معاناة المشاكل القائمة من العقم الجذري. نخص بالذكر هنا ضرورة إبداء الشعوب قدرتها على القيام بالانتفاضات والحروب في سبيل مصالحها الحيوية والمصيرية؛ عوضاً عن العيش في ظل العبودية المُحِطّة للقدر، عندما لا تترك قوى السلطة القتالية أي خيار للحل سوى اللجوء إلى العنف. إذ لا مناص من التركيز الحقيقي والجدي على انتفاضات الشعوب وحروبها، عندما لا تطبَّق القوانين بالتساوي، ويُهمَل دور الديمقراطية في الحل، وتُفرَغ كافة العمليات السلمية من محتواها. بمقدور الإطارَين التاليَين إعطاء الجواب اللازم: عندما لا تترك الدولة أي مجال للحل الديمقراطي، ولا تهتم به بالحساسية المطلوبة، وعندما لا يبقى بحوزة الشعب أي عامل مؤثر آخر على الدولة؛ حينها تبدأ فعالية الانتفاضات الدموية – بنسبة منخفضة كانت أم مرتفعة – أو الحروب الشعبية الدائمة – عالية النسبة كانت أم منخفضة – مثلما شوهد لدى العديد من الشعوب.
لا تهدف كل انتفاضة أو حرب مندلعة إلى الانفصال. بل خلافاً لذلك، إنها تقود بالأرجح إلى التكامل الديمقراطي. لقد مر الزمن على أهمية الانتفاضات والحروب التحررية الوطنية القديمة الهادفة إلى بناء الدولة، وعفا الدهر عليها. فالانتفاضات والحركات التحررية الوطنية الهادفة إلى الدولة، ليس من محصلتها سوى إضافة ملحق صغير آخر إلى الدولة الرأسمالية. وكيفما لا يجلب هذا أي حل لأية مشكلة تعانيها الشعوب، فهو يُزيد من وطأتها أيضاً. فمشاكل الشعب العربي، صاحب الاثنين والعشرين دولة، لم تقلّ – حسب الظن – بل تكاثرت.
من هنا، بالإمكان تعريف الانتفاضات والحروب الشعبية للمرحلة الجديدة، بأنها لا تكون هادفة إلى الدولة، بل إلى التفعيل التام للديمقراطية، شكلاً ومضموناً. هكذا يمكن رسم أدوارها الرئيسية. فالانفصال لن يجد معناه، إلا إن كان لا مناص منه. يستدعي خيار الشعوب على الدوام الانحياز للتكامل الديمقراطي. مهما فرض أصحاب النعرات القوموية المفرطة لدى كلا الطرفين الانفصال والعنف، إلا إنه من الضروري أن يكون خيار الشعوب في هذه الظروف، هو التكامل الديمقراطي، وأقلُّ درجة من العنف. فبقدر ما يكون اللجوء إلى الانتفاضات والحروب قبل نضوج ظروفها وزمانها المناسبين أمراً خطيراً؛ فعدم اللجوء إليها لدى انعدام كافة الخيارات الأخرى، إنما هو مُحِطّ من القدر ومميت بنفس النسبة من الخطورة.
تتعلق المسألة العملياتية الهامة الأخرى بالنسبة للديمقراطيات بكيفية التصرف في حالة الدفاع المشروع. يجد الدفاع المشروع معناه في ظروف الاحتلال فقط. فإذا ما سُلِّط على الشعب نظام محتل، مستعمِر، أو قمعي بشكل مختلف؛ فهذا معناه أنه ثمة احتلال. وكما أن قوة خارجية بمقدورها أن تكون منفردة في احتلالها؛ ففي بعض الأحايين قد تلجأ في ذلك إلى المتواطئين المحليين. هنا تبرز مهمة الدفاع عن الذات بهدف دحر الاحتلال وتأسيس الديمقراطية. لكن، بما أنه ثمة ظاهرة غريبة (خارجية) في الوسط، فسيكون من الأصح القول: الدفاع المشروع، أو الدفاع الوطني الديمقراطي. وتكون في هذه الحالة تولدت شروط الحرب والانتفاضات مرة أخرى. لا تؤخذ الحرب التحررية الوطنية الكلاسيكية أساساً هنا. فمن الأنسب القول بأنها حرب الدفاع في سبيل التكامل الديمقراطي الشامل، كضرورة من ضرورات العصر الراهن، حتى وإن كان لها بُعدها الوطني. بالإمكان تطوير مثل هذا النوع من الانتفاضات والحروب في المدن والقرى على السواء؛ إما بشكل منفرد أو متزامن. وقد جُرِّبَت كافة الأشكال في العديد من البلدان الآسيوية والإفريقية والأمريكية. وعوضاً عن الهدف إلى الدولة، فإن الهدف إلى الديمقراطية سيكون الأنسب في واقع الحل الراهن. ورغم وجود البُعد الوطني، إلا أن الأصح هو أن تحارب الشعوب بالتحالف مع بعضها البعض في سبيل تحقيق التكامل الديمقراطي تجاه المحتلين وأذيالهم وأعوانهم المتحركين معاً في القمة. من الضروري في هذه الحالة تطبيق الأشكال العملياتية السلمية الأخرى لآخر درجة. يجب أن يكون الأساس هنا هو تنظيم وتسيير الدفاع المشروع بغرض مؤازرة دمقرطة الشعب، وتطويرها وصونها بالأرجح. يجب عدم النسيان أنه ثمة معنيون بالحل الديمقراطي، حينما يكون الجناح الخفي للقتاليين القمعيين هو المستهدَف. إذ لا يمكن أن تكون مواجهة الدولة برمتها والوطن المعني بكامله استراتيجية صائبة. وعلى الصعيد التكتيكي أيضاً، ليس من الصحيح استهداف كل قوة أجنبية غريبة أو مؤسسات وأفراد القومية المحتلة بأجمعهم. الأساس هنا هو الحد من نطاق القوى المستهدَفة قدر الإمكان للحصول على النتيجة المرجوة، وزيادة فرص الحل الديمقراطي للشعب، وصون وجوده وكيانه. قد تكون الوسيلة الأولية للخروج من الأزمة الحالية هي التكثيف والاستمرارية في حركة الدفاع المشروع، وتنظيمه إلى أن تقتنع القوى المتسببة في الاحتلال والعقم باستحالة استمرارها في الحرب الباطلة التي تشنها، وإلى أن تُجذَ‍ب إلى درب الحل الديمقراطي اللازم.
من غير الممكن غض الطرف عن مشكلة الشعوب في الدفاع الذاتي في الظروف الاعتيادية، عدا الحالات الطارئة أيضاً. يتسم الأمن الذاتي في ظروف الأزمات بأهمية تضاهي ما للأمن العام منها. ليس بمقدور معايير الأمن الكلاسيكية للدولة تلبية احتياجات الأمن لدى الشعب من جهات متعددة. واستيلاء الطغمة الأوليغارشية والقوى الديكتاتورية على سلطة الدولة، يفند الضمان القانوني المحدود الموجود، ويقضي عليه. وتتقطع الدولة إلى أقسام وأجزاء. ويتكاثر في أقصاها عدد ضخم من أصحاب المافيا والعصابات التابعة للبؤر الدولتية. وتهُبّ نفحة الإرهاب التام على رؤوس الشعب. ويحصل الانفجار في الجرائم المرتكبة. وكلما جرت البحوثات فيها تُصان القوى الناطقة والمتحركة باسم الدولة، عوضاً عن سلوك الطرق القانونية. ويتحول القانون إلى حالة أشبه بالسلعة، وتغدو قوى أمن الدولة بذاتها مشكلة أمنية. مقابل مثل هذه المشاكل الأمنية المعاشة اليوم في العديد من البلدان في مراحل الأزمة، يغدو الدفاع عن الذات ضرورة لا مهرب منها؛ حيث يتطلب – بالتأكيد – تشكيل قوات الدفاع الذاتي.
من الأصح النظر إلى قوات الدفاع الشعبية كقوات تقوم على تلبية الحاجات الأمنية الأولية التي لم تحققها الدولة، أو بقيت ناقصة فيها، أو حتى تسببت بها؛ عوضاً عن النظر إليها كقوة مناهضة للدولة أو بديلة لها. قوات الدفاع الشعبية ليست جيشاً أنصارياً كلاسيكياً، ولا جيشاً تحررياً وطنياً. فأنصار التحرر الشعبيون، أو جيش التحرير الوطني، يهدفون بالأرجح إلى الدولة والسلطة، ويسعون لحل مشكلة السلطة. في حين لا يمكن أن تهدف قوات الدفاع الشعبية بشكل خاص إلى الدولة والسلطة (عدا الضرورات الموضوعية). وظيفتها الأساسية – باختصار – هي العمل على حماية الحقوق القانونية والدستورية للشعب لدى تعرضها للانتهاك، أو عندما لا يقوم القضاء بوظائفه؛ وأن تكون الضمان الأولي لمساعي الدمقرطة، والريادة للمقاومة إزاء الاعتداءات، وحماية وجود الكيان الثقافي والبيئي للشعب.
بمقدور وحدات الدفاع الشعبية الانتظام على شكل وحدات مناسبة في المدن والجبال والضواحي. ويمكن وصفها بأنها ضرب من ميليشيات الدفاع عن الشعب. بإمكانها تأدية دورها في المهام التي تعجز قوى الأمن المحلية عن القيام بها. كما أن حلها الدائم للبنى الاجتماعية في ظروف الأزمة، يُزيد من حيوية الموضوع بالنسبة للأوساط المشوشة المتزايدة، والدفاع عن الذات وعن وجود الشعب، وإدارته المحلية. ولدى البحث عن الخروج من الأزمة عبر سبل الحل الديمقراطية، بالإمكان النفاذ أيضاً من أوساط الانفلات الأمني المتزايد، عبر قوات الدفاع الشعبية، وضمن تكامل والتحام رصين مع هذه المرحلة.
الكاتبة:نوجيان أوجلان