الحرب الخاصة هي فناء الحياة

0
96

إن إعطاء معنى للوجود يعطي معنى للحياة. فالحياة بجوهرها وطبيعتها وفهم سرها تكون ذات معنى، حيث أن الانسان الحر يشكل الحلقة الأساسية في هذا الوجود. كما ان الانسان من خلال اجتماعيته ومبادئه الاخلاقية استمر وجوده لآلاف السنين بعد فهمه للحياة على هذا النحو، وهذا الطراز من العلاقات المتكاملة اعطى للبشرية قوةً وتضامناً مع الطبيعة. ولكن بظهور الذهنية السلطوية والدولة انعكست هذه الحياة رأس على عقب، حيث ان هذه الذهنية الرجعية بالكثير من الطرق والأساليب القذرة استهدفت حياة المجتمع وارادت الحكم عليها وتفكيكها. صحيح لحد ما وصلت إلى ما تريده ولكن قوة وإرادة المجتمع ليس بشيء بسيط أن يتم التحكم بها، لذا تطرقت إلى استخدام أساليب أخرى ومن اخطرها استخدام سلاح الحرب الخاصة التي هاجمت بها جميع الإنسانية بل وحتى سيطرت على الأم الطبيعة، فهي أوسع وأشمل وأخطر من المفاهيم التقليدية لعمليات التأثير في المجتمع .حيث فككت المجتمع واخرجته من جوهره وابعدته عن حقيقته وهذا كله مصطلحات تدور حول الفكرة الجوهرية لشكل وأسلوب العمليات التي تستهدف النفس البشرية، والتي تفرض بها القوى التي تمتلك أدواتها أسلوب معين من التصرفات تخدم مصالحها وتوجهاتها الأيديولوجية والسياسية والتجارية والعسكرية. فالحرب الخاصة هي التي تهدف إلى تحقيق أهداف الحرب التقليدية (إراقة الدماء) بتكلفة أقل وبوسائل خاصة وبدون دماء، تتضمن العنف وجميع الوسائل الغير مشروعة كالحرب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية فهي حرباً مخفيّة وغامضة.
ان ما يميز الانسان عن باقي الأحياء الأخرى هو التفكير ولكن الحرب الخاصة ركزت على التحكم بفكر الانسان، حيث جمدت العقل وافرغته من محتواه بمقولتها ” لا تفكر نحن نفكر بدلاً عنك ” وجعلت منه كائن غريزياً رزيلاً بدون إرادة يرى الحياة بشكل سطحي ويعيش بها عبداً لا حول ولا قوة غير قادر على إعطاء آرائه والعيش بشكل سليم. حيث تكمن خطورتها في محاولاتها لتغييب العقل والسيطرة على العاطفة أو التحكم بالنفس. ولكي تحقق الحرب الخاصة أهدافها تستخدم جميع الوسائل المادية والمعنوية لقتل إرادة المجتمع أو الجهة المستهدفة بهدف استسلامها واستفزازها، وخلق اليأس والشكوك والتشاؤم وانعدام الثقة في النفوس، إلى جانب التشويش وخلق الضبابية في الآراء والأفكار والمواقف، فهي من الأسلحة مضمونة النتائج. غير ذلك فأنها جرّدت الانسان من المعنويات التي تكون أساس تلاحم المجتمع وشكّلت منه مجتمع مادي يلاحق الأموال والأملاك ويتقرب فقط لأجل المادية والمصالح الشخصية من بعضه البعض. كما انها استهدفت الطموح والآمال والثقة التي تعتبر أساس وجود الانسان واستمراريته، كما يقول القائد ” APO الأمل أسمى من الانتصار “. فأصبح الانسان بدون أمل وثقة يريد الموت والخلاص من الحياة، كالفيل الذي رُبط قدماه بالشجرةِ باعتقاده أن هذا هو قدره. فلم يعد أحد يأمل بشيء جميل حيث قُبل بالواقع الأليم ورآه مناسباً وهذا جميعه يعني الموت بحد ذاته. أي إن الحرب الخاصة أحلت بالشعوب الآهات والهلاك وهي التي صهرت اللغات والثقافات لأنها جعلت من الانسان كائناً مستهلكاً مبعثراً لكدح ونشاط وإنجازات المجتمع، بدلاً من أن يكون فرداً فعالاً ضامناً لسيرورة المجتمع، من خلال وسائلها الإعلامية والإرهابية والدعائية التي اتخذت من ثالوث (الجنس، الرياضة، الفن) وسيلة لسلب المجتمع وإفراغه من معنى وجوده.
فجميع الدول المهيمنة مارست ولا تزال تمارس سياسات خبيثة وتستخدم الجنس كوسيلة أساسية لإيقاع الانسان وابعاده عن الحياة الحرة وخاصة فئة المرأة والشبيبة اللذين يمثلون القوة الديناميكية، فهم القدوة والطليعة والفئة الأكثر فعّالة للمجتمع. وهاتين الفئتين الأكثر تمرّداً ضد السلطة والدولة لأنهما صاحبتا موقف راديكالي ولديهما مقاييس الرد والقبول، وهما العامل الأكبر للثورات التي ظهرت في الشرق الأوسط وكافة أنحاء العالم. فبشخصية المرأة والشبيبة تقوم الحرب الخاصة بشن هجومات بربرية لا أخلاقية تعسفية من خلال مواقع الأفلام الإباحية وبيوت الدعارة التي استُخدمت فيها المرأة كسلعة للبيع والشراء من جانب، ومن جانب آخر نشر المواد المخدّرة لشل وإعاقة الدماغ وتجميد الأفكار الثورية والإنسانية. غير ذلك فسياسة تجنيد العملاء تشكل تهديداً خطيراً على المجتمع والوطن وبالأخص على الشباب والشابات. سبب هذا الشيء هو عدم التخلص من النواقص والضعف الذي يوجد في الشخصية (كالمادية والعاطفية والجنس…إلخ). فإن العدو يستخدمها ضد الشخصيات ليجعل منها شخصيات خائنة منحطّة راضخة لأوامر.
كما ذكرنا آنفاً إن الرياضة هي أخلاق ونشاط لعقل وجسد الإنسان كالمثل الذي يقول “العقل السليم في الجسد السليم”، ولكن استُخدمت كحرب وتجارة على يد الرأسمالية، بل وأصبحت تقليداً لشخصيات أخرى (كاللباس والاسم وطراز العيش…إلخ)، فهنا لم يعد شيء يميّز وجود الأشخاص من بعضهم البعض وجوهراً يتحلى به الإنسان الرياضي. كما إنها خلقت الفتن والفساد بين الشعوب وزرعت الحقد والكراهية فيما بينهم لدرجة العنف وإراقة الدماء، كالمسرح التراجيدي الذي تم تحضيره من قِبل الدولة السورية في مدينة قامشلو 12 آذار 2004، حيث تم تسليح فريق دير الزور ضد فريق قامشلو ونتيجة هذه المجزرة كانت خلق الفتنة بين المكون العربي والكردي. فكثير من الأمثال نستطيع ذكرها على هذه الشاكلة.
أما من ناحية الفن فيعتبر الهوية الأساسية الذي يعرّف فيها المجتمع عن نفسه، فالفن هو الجانب المعنوي والثقافي الذي لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنه. حيث أخرجت الحرب الخاصة الفن من معناها الحقيقي كما أخرجت كثير المجالات من معانيها الحقيقية. فأصبح الفن في خدمة مصالح الرأسمالية والبرجوازية بعيداً كل البعد عن الثقافة الاجتماعية والأخلاقية، كطراز الحياة والعادات والتقاليد والفلكلور والغناء والدبكة والمسرح …إلخ. فهذا الشيء أثر بشكل سلبي على النفسية وبالأخص نفسية الشباب مما أدى إلى ظهور حالات الانتحار والاكتئاب ومن ناحية المرأة قُتلت واُغتصبت ودُمرت تحت مسمى العادات البالية ومسائل الشرف والناموس ومن جهة أخرى فالكثير من النساء يرن بأنهن متحررات ضمن هذه الحياة الليبرالية الفردانية، وهذا النوع من التفكير يشكل خطراً كبيراً على كافة جوانب الحياة لأنه يعني الجهل والانغماس بعمق العبودية، كما يقول القائد APO “أصبحتم عاشقين جلادكم ” فهذه هي نهاية الحياة بحد ذاتها.
في أعلاه ذكرنا الكثير من الوسائل التي تستخدمها الحرب الخاصة، من أهمها الحرب الإعلامية التي اتخذتها أساس لها من أجل السيطرة على جميع فئات المجتمع، لذا ركّزت عليها جميع الدول المهيمنة في الوصول إلى أهدافها من خلال التلفزة الحديثة ومواقع التفكك الاجتماعي face book-Wats app)) …وغيرها من المواقع والأكاذيب والدعايات والإعلانات كالأفلام والمسلسلات التي تذيعها للاستمرار في وجودها. ولكي تُبيّن قوتها وعظامتها وإن لا أحد يستطيع الوقوف أمامها، تستخدم أسلوب المبالغة كالبالون المتورّم فارغ الجوهر والمعنى. حيث تريد أن تنشأ جيل كالروبوت أي جسد بلا روح من خلال الاستخدام السلبي للتكنولوجيا. ولكي تسيطر على الجهة المستهدفة تقوم بتحطيم النفسية لجعلها ضعيفة بلا إرادة. كالإشاعات الكاذبة التي تقوم بها الدولة التركية الفاشية لتشويه فكر القائد آوجلان والمقاومة التاريخية الذي يبديها حزب العمال الكردستاني. فإن تطويرها لكونترا كريلا ونشر مسلسلات كمسلسل الأرض الطيبة الذي كان يستهدف حياة الكريلا في الجبال الحرة بشكل مباشر يأتي لهذه الأسباب. في الحقيقة أذ توسعنا في رؤية معرفة الإعلام فإنه يكون سلاح ذو حدين إن لم تقطعه سوف يقطعك.
إذا ألقينا نظرة عن سياسة نظام البعث في الدولة السورية منذ بداية تأسيسه وحتى يومنا الراهن لعب دوراً سلبياً في الواقع السوري من حيث تفشي الفساد وإبقاء الشعب السوري جاهل، حيث قام حزب البعث بزرع الفتنة والنزعة القومية في الصف العربي ضد المكونات والثقافات الأخرى وخاصة أمام الأكراد، حيث أججت العواطف العدائية ضد الشعب الكردي في محاولة منها توجيه مشاعر الحقد والكراهية ضد الكرد واتهامهم بصفات سلبية غير لائقة. ومثال على ذلك حرق سينما عامودا الذي ذهب ضحيته أكثر من 280 طفل. غير ذلك حرق سجن الحسكة وتطبيق الحزام العربي الذي رفع من مستوى التناقض بين المكونين. ومن جانب آخر كانت الاستخبارات السورية تفرض نفسها وتُدخّل الرعب في قلوب الشعب من خلال سياساتها الترهيبية فمقولة “إنَّ الحيطان لها أذان” خير دليل على ذلك. بقدر ما ذكرنا عن سياسة البعث الخبيثة والقذرة تجاه الشعب الكردي، بعشرة بل مئات الأقدار كان تمشي هذه السياسة على المكونات الأخرى وخاصة على الشعب العربي. صحيح أنهم يذكرون العرب ولكن فقط في الاسم. فالكثير من الشباب والنساء والمجتمع بشكل عام عانى كثيراً من ظلم وسلطة الدولة. فهم أيضاً لم يكن لهم حقوق وإرادة وفكر ولم يعيشوا حياة حرة ديمقراطية وخاصة المرأة العربية لم يكن لها دوراً في المجتمع بتاتاً.
وفي النهاية نقول بأن الحرب الخاصة أصبحت بلاءً على رؤوس المجتمعات كفيروس منتشراً في حياة البشرية والطبيعة وإذا لم يتم التوقف على هذا الوباء فسوف تنقرض الطبيعة والبشرية جمعاء وتأخذ بالإنسانية إلى حاوية التاريخ. فمن الضروري وجود حل جذري لهذه التخريبات التي حلت برأس البشرية. فعبر التاريخ خرجت الكثير من الشخصيات وقامت بالثورات وناضلت أمام هذا البلاء ولكن طريقتهم وأسلوبهم لم يكن سليماً بقدر هدفهم، مما أدى هذا الشيء إلى انهيار ثورتهم. ولكن الثورة التي تقوم بها حزب العمال الكردستاني بقيادة القائد آوجلان تختلف تماماً عن باقي الثورات الأخرى من الناحية الأيديولوجية والسياسية والعسكرية…إلخ. حيث ركّز فيها القائد إلى المسألة الشخصية ورجوع المجتمع إلى جوهره الطبيعي والنضال والمقاومة أمام جميع أشكال السلطة والهيمنة الرأسمالية وعلى رأسها الحرب الخاصة حتى القضاء عليها. ومن أجل ذلك فالتنظيم والتدريب يصبحان أمر ضروري لا محيل له. لهذا السبب علينا جميعاً أن ندرب أنفسنا لمعرفة شخصيتنا ومعرفة حقيقة العدو كما يقول المثل “إذا عرفت نفسك وعرفت عدوك فسوف تنتصر وإذا عرفت نفسك ولم تعرف عدوك فسوف تتألم في الانتصار وإذا لم تعرف نفسك ولم تعرف عدوك فأنك أحمق ولن تنتصر”. كما يجب أن نجعل كل لحظة من حياتنا ضربة كبيرة للعدو الداخلي والخارجي وأن نتحلى بصفات الإنسان المناضل الثوري، فهذا جميعه سيتم من خلال العيش بذهنية الحرب الشعب الثورية للوصول إلى مجتمع أخلاقي سياسي يسوده العدل والحرية.
الكاتبة:هيزل عفرين