حروب الغلاديو التابعة للناتو ضد الحرب الشعبية الثورية

0
125
بات من الواضحِ أنّ القوةَ الأساسيةَ التي تحاربُ في كردستان ضد حملةِ 15 آب، هي قوى الغلاديو التي تُعَدُّ الجيشَ السريَّ للناتو. فأهمُّ حدثٍ أثبَتَ عدمَ كفايةِ نظامِ الأمنِ التركيِّ في محاربتِه لـPKK، هو حملةُ 15 آب 1984. وفي حقيقةِ الأمر، فنُقصانُ نظامِ الأمنِ هذا بدأَ منذ خروجِنا من أنقرة، وبات أمراً مجزوماً به مع تموقُعِنا في الشرقِ الأوسط. أما إنجازُ الحملة، فقد كشفَ النقابَ عن هذا الجزمِ القاطع. وتلا ذلك إدخالُ غلاديو التابعة للناتو، والتي تجعلُ من ألمانيا مركزاً لها، في جدولِ الأعمالِ سنةَ 1985. هذا وينبغي عدم النسيان بتاتاً، أنّ كونَ الدولةِ الألمانيةِ أولَ دولةٍ أعلنَت PKK “إرهابياً” في 1985، إنما هو بسببِ كونِها مركزاً أُسّاً لجيشِ الغلاديو ذاك. فلدى إنشاءِ غلاديو الناتو، جُعِلَ مركزُه الذي في ألمانيا مسؤولاً عن القِسمِ الذي في أوروبا. لَم نَكُنْ على عِلمٍ بهذه الحقائقِ في البداية. بل وكنا نَعتَبِرُ الاتحادَ الأوروبيَّ والبلدانَ الأوروبيةَ الأخرى وعلى رأسِها ألمانيا، أصدقاءً للنضالِ الثوريّ. وبعدَ ذلك بزمنٍ طويلٍ جداً أدركنا أنّ ما يجري هو حربٌ خفيةٌ مُعلَنةٌ ضد الشعوب )بما في ذلك شعوبُ أوروبا أيضاً، وفي مقدمتِها شعوبُ إيطاليا واليونان والبلقان(. فلدى تأسيسِ الناتو، شُكِّلَ هذا الجيشُ أيضاً في وجهِ تَسَلُّلاتِ الشيوعية. وقِلّةٌ نادرةٌ جداً انتبهَت إلى هذا الأمر. هذا وأُدرِجَ الجيشُ السريُّ حيزَ الحركةِ بالأكثر، ضد الثوارِ في إيطاليا واليونان وتركيا وألمانيا. ومع انهيارِ الاتحادِ السوفييتيِّ وخروجِ روسيا السوفييتيةِ من كونِها تهديداً مُلَوِّحاً، خسرَ الجيشُ أهميتَه في البلدانِ الأعضاءِ في الناتو، فيما خلا تركيا التي ارتفعَت فيها أهميتُه إلى مستوياتٍ أعلى بكثير. وقد لعبَت الثورةُ الإيرانيةُ )1979( واحتلالُ أفغانستان من قِبَلِ الاتحادِ السوفييتيِّ )1980( دوراً هاماً في ذلك. علاوةً على تأمينِ الدعمِ اللامحدودِ إلى الغلاديو التركيّ، بسببِ قيامِ تركيا بدورِ الحارسِ في الشرقِ الأوسط. كما إنّ الرغبةَ في حمايةِ إسرائيل أيضاً عاملٌ هامٌّ في هذا السياق. أما مواردُ النفطِ وحمايةُ السلطاتِ المتواطئة، فهي من العواملِ الأخرى الهامةِ التي دفعَت دوماً إلى الإبقاءِ على الغلاديو في الأجندة.
تحققَت انطلاقةُ حملةِ 15 آب غيرُ المتوقَّعةِ في خضمِّ هذه الأجواء. فشبكةُ غلاديو في تركيا كانت مع انقلابِ 12 أيلول العسكريِّ 1980 قد نظَّفَت آخِرَ الآثارِ المتبقيةِ للثوارِ الأتراك. وحملةُ 15 آب 1984 لَم تَكُ في الحُسبان. ولكنْ، عندما تحققَت، اعتُقِدَ بدايةً أنها مغامرةٌ يساريةٌ بسيطة. وسادَ الإيمانُ بقدرةِ الجيشِ الكلاسيكيِّ وقواتِ البوليسِ والاستخباراتِ على تذليلِها فوراً. لكنّ العجزَ عن إنهاءِ أمرِها في العامِ الأول، أفضى إلى نقلِ المسألةِ إلى حلفِ الناتو، الذي أقرَّ في 1985 بالتدخلِ بناءً على المادةِ الخامسةِ من قانونِه التأسيسِيّ. وما قيامُ الدولةِ الألمانيةِ بإعلانِ PKK “تنظيماً إرهابياً”، سوى بسببِ ذاك القرار. بعدَ عامِ 1985 أيضاً كنا نُحاربُ قوات الأمنِ التركيّةِ ظاهرياً، إذ أُبرِزَ هذا المظهرُ عن وعيٍ مقصود. بينما كانت الحربُ تُخاضُ في مضمونِها ضد غلاديو الناتو. لا جدل في أنّ فرعَ غلاديو في تركيا كان يلعبُ دوراً بالغَ الأهمية. ولكنّه لَم يَكُنْ الفرعَ الوحيد، لأنّ ضخامةَ العددِ كانت تمنعُه من نيلِ النتيجةِ المرجوة. وكان عصياً على قوات الأمنِ التركيّةِ أنْ تخوضَ حرباً بهذا النطاقِ لمدةِ عامٍ واحدٍ فقط، فما بالكَ بعدةِ أعوام. وحتى لو خاضَتها، لَكان ذلك دليلاً على إفلاسِها كدولةٍ في غضونِ فترةٍ وجيزة. وعليه، فالحربُ كانت حرباً ضد الناتو، حتى وإنْ لَم يَكُنْ ذلك علناً، بل عمِلَت آليتُها بسريةٍ كبيرة. لقد كانت هذه حرباً تضارِعُ بأضعافٍ مضاعفةٍ ما عليه الحروبُ الناشبةُ حالياً في أفغانستان والعراق، والحربُ التي سبقَتها في الصومال؛ سواء في أبعادِها وآفاقِها، أم من حيث طولِها الزمنيّ. وكنا كحزبِ PKK عاجزين عن استيعابِ الوجهِ الحقيقيِّ والباطنيِّ لهذه الحرب. لذا، كانت انتقاداتُنا الموجَّهةُ إلى أوروبا وأمريكا منحصرةً في المستوى الأيديولوجيّ. وكنا نفتقرُ إلى الآفاقِ التي تُمَكِّنُنا من تحليلِ دورِ الحداثةِ الرأسماليةِ في حروبِ قوى الهيمنةِ التي دارت رحاها في كردستان ضد الشعبِ الكرديِّ خلال القرنَين الأخيرَين وما بعد عشرينياتِ القرنِ العشرين عموماً، وفيما بعد عامِ 1984 ضد PKK على وجهِ التخصيص. ولهذا السببِ ظلّت تحليلاتُنا بشأنِ الناتو تعاني من النقصانِ الفادح، بحيث لَم تَكُ تتجاوزُ المستوى الشعاراتيِّ للاشتراكيةِ المشيدة. كما ولَم نَكُ على عِلمٍ أصلاً بالغلاديو، حتى على مستوى الاسم. لكن، ومع اتساعِ نطاقِ الحربِ الشعبيةِ في كردستان وازديادِ عمقِها، بدأَت هذه الحقيقةُ تطفحُ على السطحِ رويداً رويداً. أما قيامُ أمريكا وإنكلترا بالحذوِ حذوَ ألمانيا في إعلانِ PKK “تنظيماً إرهابياً” بعد عامِ 1990، واغتيالُ البابا قبل ذلك، وجنايةُ أولف بالمه؛ فإذ ما تمَّ التمحيصُ في كلِّ ذلك بإمعان، سيُرى أنه كان يضفي على الحقيقةِ مزيداً من الوضوح. في حين كان كشفُ النقابِ عن شبكةِ غلاديو الإيطاليةِ سياقاً هاماً آخر في هذا الشأن.
عبد الله أوجلان